سيد محمد طنطاوي

205

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : وللَّه - سبحانه - وحده علم جميع ما غاب في السماوات والأرض من أشياء ، وما أمر قيام الساعة في سرعته وسهولته ، وما يترتب عليه من إماتة وإحياء ، وحساب ، وثواب وعقاب . . . ما أمر ذلك كله إلا كتحرك طرف العين من جهة إلى جهة ، أو هو - أي أمر قيامها - أقرب من ذلك وأسرع ، بحيث يكون في نصف هذا الزمان أو أقل من ذلك ، لأن قدرته لا يعجزها شيء ، قال - تعالى - : إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناه أَنْ نَقُولَ لَه كُنْ فَيَكُونُ . والمقصود من هذه الجملة الكريمة : بيان سرعة تأثير قدرة اللَّه - عز وجل - متى توجهت إلى شيء من الأشياء . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يؤكد شمول قدرته فقال - تعالى - : * ( إِنَّ اللَّه عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) * أي : إن اللَّه - تعالى - لا يعجز قدرته شيء سواء أكان هذا الشيء يتعلق بأمر قيام الساعة في أسرع من لمح البصر . . أم بغير ذلك من الأشياء . ثم ساق - تعالى - بعد ذلك أنواعا من نعمه على عباده فقال : * ( واللَّه أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً ) * . أي : واللَّه - تعالى - وحده هو الذي أخرجكم - أيها الناس - من بطون أمهاتكم إلى هذه الحياة ، وأنتم لا تعلمون شيئا لا من العلم الدنيوي ولا من العلم الديني ، ولا تعرفون ما يضركم أو ينفعكم ، والجملة الكريمة معطوفة على قوله - تعالى - قبل ذلك : واللَّه جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً . . . وجملة « لا تعلمون شيئا » حال من الكاف في « أخرجكم » . وقوله - سبحانه - * ( وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأَبْصارَ والأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) * نعمة ثانية من نعمة اللَّه - سبحانه - التي لا تحصى . أي : أن من نعمة اللَّه - تعالى - أنه أخرجكم من بطون أمهاتكم - بعد أن مكثتم فيها شهورا تحت كلاءته ورعايته - وأنتم لا تعرفون شيئا ، وركب فيكم بقدرته النافذة ، وحكمته البالغة ، « السمع » الذي تسمعون به ، والبصر الذي بواسطته تبصرون ، « والأفئدة » التي عن طريقها تعقلون وتفقهون ، لعلكم بسبب كل هذه النعم التي أنعمها عليكم ، تشكرونه حق الشكر ، بأن تخلصوا له العبادة والطاعة ، وتستعملوا نعمه في مواضعها التي وجدت من أجلها . قال الجمل : وجملة : « وجعل لكم السمع والأبصار . . . » ابتدائية ، أو معطوفة على ما قبلها ، والواو لا تقتضي ترتيبا ، فلا ينافي أن هذا الجعل قبل الإخراج من البطون . ونكتة تأخيره - أي الجعل - أن السمع ونحوه من آلات الإدراك ، إنما يعتد به إذا أحس الإنسان